الخلاصات:
تدوينات
تعليقات

بركان

لم يكن القطار مجرّد آلة للعبور. كان دليلاً على الإكتظاظ الذي وصل إليه الكوكب. وسط حشد من الناس، كان عالقاً. يُحدّق بعيداً، محاولاً إيجاد الجزء الثاني من القصّة التي الّفها للفتاة التي التقاها لمرّة واحدة عند شاطىء البحر.

يذكر جيّداً كيف كانت قدماها ملتصقتان برمل البحر الدافىء الذي بدى وكأنّه امتداد لثوبها الأخضر الطويل. تلك الليلة، لم يكن البحر أزرقاً. كان ليلاً قاتماً يستطيع أن يكتم بعض من الحكايا. وكي لا يستنزف الأحاديث معها، بنى لها قصراً من الرمل. ولكنّه في نهاية المطاف بدى أقرب إلى البركان الصغير الذي لن ينفجر ولو بعد حين.

بعد أن فرغ من بنائه خلال دقائق. أخذ البركان حيّزه من المكان. لم يعد مجرّد ذلك البركان الذي كان عليه قبل لحظات. هو الآن، بركان ضخم يتوسّط جزيرة صغيرة، لا أحد يُعرف في أي محيط تقع. ويقطنها قليل من الناس الذين لا يُعرفون بعضهم البعض. وعلى مقربة من شواطئها، تعيش أشجار مثمرة.

Source: Flickr- by Kyoka Setsuko

الحكايا التي يتداولها الناس عن البركان كانت كثيرة، وقديمة. وأغلبها متناقلة عن أناس ماتوا بالفعل. ومنذ ثلاثة قرون تتكرّر هذه الحكايا. إحدى الفتيات اللواتي عشنَ حياتهنّ على الجزيرة، كانت تراودها الكثير من الأفكار حول البركان. ورغم ذلك، لم تجرأ يوماً على الاقتراب منه. كانت تخاف منه بالفطرة. هذه الفتاة كانت تُحب ليالي السبت على شاطىء البحر. هناك، حيث كان الناس يُشعلون النار، ويرقصون حولها لساعات متأخرة من الفجر.

هناك، تحديداً كانت تكتشف أكثر سر انجذابها إلى البركان، والبحر، والنار. كان جسدها ينساب كالوحي فوق الرمل. هكذا، وصلت إلى حل عدد من الألغاز التي رافقتها منذ أن كان عمرها ثماني سنوات. لم تسعى أكثر للغوص في حل كل الألغاز التي تحيط بحياتها. “دون الألغاز، كيف استيقظ صباحاً؟”. هذا ما كانت تكرره لنفسها. وتبتسم.

عند هذه الابتسامة توقّفت القصّة التي عانى قليلاً أثناء تأليفها. الفتاة التي كانت مستغرقة في القصّة سألته استمر بالقراءة «

لغة الماء

Source: Flickr- by CubaGallery

.1.

عبثاً نرسم، ونرسم، ونرسم!

وحده الجبل كان عالياً، لم تطاله ايدينا. كان جرفاً سريعاً، شبه غافٍ، في ثبات بعيد.

وحدها البحيرة كانت منخفضة، ورغم ذلك، لم تطالها ايدينا. كانت بطيئة، مستيقظة الحواس، في حذر قريب.

.2.

الماء وحده يمشي باتجاه السماء. يتحرك بكل الاتجاهات. دون ادنى حركة، هويّة الماء ملوّنة، مركّبة من ابنية قديمة وشقاء مترف بالعطش.

.3.

لا تبحثوا بعد اليوم عن فكرة. لن نجدها استمر بالقراءة «

حقيقة

By Hanibaael- Horizon Photography

إذا كنتَ من مُحبّي المؤامرات ونظريّاتها، فأنت طبعاً ستكون أحد معجبي “الفيلم الوثائقي” القادمون أو بالانكليزيّة “The arrivals”. قد تكون عبارة “الفيلم الوثائقي” واسعة بالنسبة لفيلم لمجموعة من الهواة، خصوصاً وأنّ الفيلم رديء على صعيد الأخراج، والإنتاج.

لا اتعجّب أنّ هناك الكثيرين يُحبّون هذا الفيلم، ويعتبرونه أحد الأفلام التي غيّرت حياتهم، خصوصاً أنّ الكثيرين حول العالم يعشقون نظريّة المؤامرة، وهي تخفف عنهم مشقّة محاولة تغيير الواقع حولهم. خصوصاً أنّ هناك مؤامرة مسيطرة على كل شيء في هذا العالم. مؤامرة تمتد منذ زمن الفراعنة حتى يومنا هذا. في الواقع، اصبحت أكثر انجذاباً إلى تلك المجموعة التي تسيطر على العالم بدهاء مذهل.

بوستر فيلم القادمون

صانعو “القادمون” يشبهون إلى حد بعيد هؤلاء الناس الذين يحيطون بنا، ويرجعون كل شيء في العالم إلى مؤامرة واحدة. ولكن أفكارهم جاءت على شكل “فيلم وثائقي” رديء، كنظريّة المؤامرة تماماً. وهذه النظريّة لا تأتي من الفراغ، خصوصاً أنّ المكتبة العربيّة والعالميّة تنضح بمئات المؤلفات ( ربما الآلاف؟) التي تتحدّث عن المؤامرة الكونيّة، وبأنّ مجموعة ما، عادة ما تكون الماسونيّة، تُسيطر على كل العالم بكل تفاصيله. من الثقافة، إلى السياسة، الفنون، العلوم، وحتّى أصغر حدث في قرية صغيرة في بلاد بعيدة.

ولكن صانعو الفيلم لن يتركوا الساحة للماسونيّة المتآمرة والشيطانيّة. فُهم يدعون جميع “التوحيديين” للتوحّد، على اعتبار أنّ الديانات الإبراهيميّة استمر بالقراءة «

مشهد العسكر، في ميدان التحرير القاهري، وهم يقومون بضرب، سحل، وتعرية تلك الشابة التي أصبحت تُعرف بـ”الفتاة ذات الصدريّة الزرقاء” استطاع دون جهد أو عناء أن يأخذ حيّذه من ذاكرتنا الجماعيّة. وذلك ليس فقط لأنّ المشهد يختزن كميّة كراهيّة وعنف استثنائيين. استطاعت هذه الصورة اختزال حقبات طويلة من سيطرة الذكوريّة على منطق التاريخ، الذي نعيشه.

أراد هؤلاء العسكر بعنفهم الذي بدا غير محدوداً أن يؤكدوا أنّهم مازالوا مُسيطرون على المشهد بكل عناصره: الميدان، الهواء، الحركة.. والأجساد. تعريتهم لتلك الشابة (التي لا نعرف اسمها بعد)، كان محاولة ليقولوا أنّ جسد الأنثى سيبقى تحت رحمتهم، وسلطتهم الهشّة.

تلك الصورة التي تناقلها الإعلام، بشقّيه الكلاسيكي والإجتماعي، وكان لها وقعها على العالم أجمع، لم تَعُد مجرّد صورة. والفتاة بصدريّتها الزرقاء، أيّاً كان اسمها، لم تَعُد مُجرّد أنثى تم الاعتداء عليها مِن قِبَل حفنة من الفاشيين.

لحظة التقاط تلك الصورة، رمزاً مُقاوماً جديداً كان يتشكّل، ويخرج إلى الضوء ليُعلن عن بدء معركة اخرى ضد النظام. ولكن هذه المرّة المعركة ليست ضد سلطة العسكر فقط. هي معركة الجسد وحريّته ضد نظام الذكوريّة، الاستبداد والقمع: العسكرة والاسلمة.

غرافيتي التنين في القاهرة

لذا، ليس غريباً أن يُلهم الرمز الجديد “الصدريّة الزرقاء” الناشطون في مناطق مختلفة من العالم. إحدى الناشطات في الولايات المتّحدة تظاهرت بـ”صدريّة زرقاء” أمام سفارة مصر في واشنطن. في القاهرة، ابتدع الرسام الغرافيتي والناشط المعروف باسم”التنين” شخصيّة “المرأة الخارقة” المرتدية للصدريّة الزرقاء، ورسمها على جدران الشوارع المحيطة بميدان التحرير مع عبارة “مستمرة”، إشارة منه إلى أنّ الثورة مستمرّة، ولن تتوقّف.

غرافيتي "الصدريّة الزرقاء ضد النظام!" في بيروت

أما في بيروت، الحاضرة دوماً في مشهد مقاومة الاستبداد، تلّقف الناشطون فيها الرمز الجديد، حيث قاموا، في شطري المدينة الغربي والشرقي، بحملة غرافيتي “الصدريّة الزرقاء ضد النظام!”. وهي من حملات الغرافيتي القليلة التي انتشرت في شطري المدينة، على عكس الحملات السابقة التي كانت تنحصر في أحياء رأس بيروت، وشارع الحمرا.

هي معركة طويلة ضد النظام بكل بنيانه الذكوريّة البطريركيّة- التنميطيّة. والثورة التي بدأت للتوّ في مصر، لا تنحصر هناك في ميدان التحرير. وظهور غرافيتي استمر بالقراءة «

ارتباك

اليوم كان ماطراً. ومازال. لن يُدخّن السيجارة التي تعوّد أن يدخّنها في طريقه من مكتبه إلى القطار. عند المطر، لا وقت للاستمتاع بالسيجارة، أو المشي البطيء ليُراقب كل ما تقع عليه عينيه، وأذنيه. سيركض قدر مستطاعه نحو محطة القطار، محتمياً بالاشجار. هو لا يؤمن بالمظلات. ناصبها العداء منذ صغره. عندما احتمى بأول شجرة، تذكّر الجدل البيزنطي الذي كان بينه وبين امه، الذي كان يترافق مع كل “كمشة مطر” تنهمر على المدينة، إذ كانت تقنعه بكل الوسائل المتاحة ليحمل المظلة. وفي المرّات القليلة، التي حمل فيها تلك المظلة اللعينة، كان ينساها حيث يذهب. هي طارئة على عالمه وأشيائه التي ترافقه بشكل دائم. وحتى عندما كان يحملها، كانت تبدو غير مناسبة له. كان يبدو غريباً بالمظلة. وهذا ما كان يزعجه. كان مقتنعاً، ومازال، بأنّ المطر يجعله أكثر دفئاً وحقيقية. يجعله أكثر التصاقاً بذاته. كيف يفوّت هذه الفرصة، ويزعج نفسه بمظلّة بلهاء. هكذا، كان يتبلل عن طيب خاطر بمطر مدينته.

Source: Flickr by CubaGallery

في هذه اللحظة، بدت له هذه الأيام بعيدة. وفي الآن عينه، تسكنه. شرد لثوانٍ في دواخله. هي الجدليّة التي لا تنتهي، تتكرر عند كل مفترق طريق. تراوده بتدفق غريب. لم يستطع منع ذاته من تأمّل العابرين المظللين في طريقهم إلى المحطّة. كان المشهد غريباً بالنسبة له. أما هو فقد كان أشبه بكائن سريالي في نظر كل هؤلاء. قرأ ذلك في عيونهم. ولكنّه لم يكترث كثيراً. ومشى. هذه المرّة كان سريعاً. لم يعد يحتمل المطر الغزير. وقبل أن يلتهمه البلل، وصل إلى المحطة.

هناك، في انتظار القطار. حدث الكثير. لأوّل مرّة كان المشهد مختلفاً عن السابق. كل شيء تقريباً. ملامح الناس. حركتهم. بائع التذاكر. الشرطي. وحتّى الطاقة الأثيريّة للمكان. استطاع أن يشعر بكل هؤلاء. فرحة نادرة كانت تتجوّل في أنحاء جسده. “هذه آثار المطر”. لم يُفكّر إن كان سيبدأ بالحديث إلى الشاب الأفريقي الذي يقف بجانبه. لأنّه بدأه للتوّ. كان الحديث وكأنّه استكمال لحديث بدآه قبل عام. كان الكلام سريعاً، خفيفاً، حيّاً، كالمطر تماماً.

لم يكن وحده من فعل ذلك. الجميع كانوا يتحدثون إلى بعضهم البعض. لم تكن ثرثرة كالتي اعتاد عليها في السابق. كان تواصلاً حقيقيّاً. الجميع يستخدم ملامح وجهه ليُعبّر عن ما تختلج به روحه. لم يعد أحد يشبه أحد. الكل مختلف. الكل له طريقته الخاصة بالفرح، الاحتفال، وركوب القطار. “وكأنّ المطر مسح غبار التشابه عن وجوههم. أخرجهم استمر بالقراءة «

 

أنقر هنا لتنزيل الكتيّب


يتألّف هذا الكتيّب “النضال اللاعنفي: الطريق إلى الحريّة” من سلسلة مقالات نشرت خلال اندلاع الانتفاضات العربيّة اللاعنفيّة على صفحات المدوّنة، وهو محاولة متواضعة لفتح النقاش على أحد أشكال النضال التي كانت مطمورة، في مجتمعاتنا لفترات طويلة. وإضاءة على إمكانيّة الشعوب بخلق سُبُل مختلفة في معركة الحريّة ضد الاستبداد الداخلي والخارجي. وإخراج النضال من أساليبه “العنفيّة” الكلاسيكيّة الذي أفقد القضايا الكثير من عدالتها وشرعيّتها، وأدخلها في دوّامات من العنف المتبادل. هناك، حيث يتساوى الجلاد مع الضحيّة.  

نذكر أنّ هذا الكتيّب، بنسخته الالكترونيّة، لم يكن ليخرج إلى الضوء لولا النقاشات الطويلة (والتي لم تنتهي بعد) مع عدد من الأصدقاء، وجهودهم على عدّة أصعدة. كل الشكر لهم (ولهنّ).

 

هذا الكتيّب هو إلى المتمرّدين السلميّين، ما بين الازرقين!

أنقر هنا لتحميل الكتيّب

 

سلسلة النضال السلمي: الطريق إلى الحريّة

الجزء الثالث عشر (الأخير): اللاعنف، طريق طويل نحو الحريّة

اللاعنف ليس مجرّد نضال يقوم على الهشاشة والوهن، بل هو طريق طويل، وشاق تخوضه الشعوب ضد الاحتلال والدكتاتوريّات. واللاعنف ليس مجرّد كتيّب يُقرأ، بل هو نضال يقوم على الابتكار في مواجهة القمع، والقدرة على الصمود، والصبر للوصول إلى مجتمع أفضل، أقل عنفاً، وأقل قمعاً.

اللاعنف، يقوم على معرفة مكامن القوّة والضعف في النظام والاحتلال. وبالتالي فهم آليّة عملهما. هو إعادة قراءة لمرتكزات الاستبداد، فهمه، ومواجهته من منظار مختلف، وبأدوات يصعب على النظام مواجهتها. هو الذهاب إلى معركة تضع فيه القوى الشعبيّة قواعد، شروط، وأدوات المواجهة.

اللاعنف، يعرّي السلطة من قوّتها، أمام المجتمع المحلي، والرأي العام العالمي. يُفكك الهيكل والجهاز العصبي للنظام/ الاحتلال.

Source: Reuters. Taken by Mohamed Abd El-Ghany

وقد استطاعت الإنتفاضات، التي تعمّ  مجتمعات ما بين الأزرقين، من رسم ملامح جديدة للنضال اللاعنفي. استفادت من التجارب السابقة، واستطاعت أن تبتكر طرقها الخاصة في مواجهة الأنظمة الأورويليّة. والمشاهد القادمة من مدن تونس، القاهرة، حمص، صنعاء، المنامة، ترسم شكلاً جديداً للإنسان في هذه المنطقة من العالم. إذ قلب هؤلاء المشهد. الجميع أنخرط في الانتفاضات، ولم يعد النضال محصور بفئة محددة كالسابق.

كما أنّ اللاعنف ليس مجرّد مواجهة آنيّة مع الدكتاتوريّة. هو ليس معركة تدوم لبضعة أسابيع أو حتى أشهر. كما أعطت انطباع الثورة المصريّة، التي استطاعت استمر بالقراءة «

Older Posts »

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 949 other followers